الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

407

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أعني القدر المشترك بين الوجوب والندب معلوم بالإجماع والمنع من الترك منفي بأصل البراءة فيلزم من الأمرين ثبوت الاستحباب في ظاهر الشرع وليس ذلك من ترجيح أحاديث الاستحباب بوجه لوضوح جريانه بوجه بعينه مع فرض انتفاء الحديث من الجانبين أو من جهة الاستحباب خاصة مع عدم نهوض ما دل على الوجوب حجة في المقام كما هو المفروض والحاصل أنه مع اليقين بثبوت الرجحان والحكم بعدم المنع من الترك من جهة أصالة البراءة لا يبقى مجال لإنكاره ودعوى كونه مبنيا على ترجيح أصل البراءة على حجية الاحتياط وهو موقوف على حجية هذا الظن غير واضحة كيف وقد نص المستدل لولا يكون البناء على أصل البراءة ليس من جهة الظن بل من جهة قطع العقل بأنه لا تكليف إلا بعد البيان وقيام طريق للمكلف إلى وصول التكليف وضع ذلك كلام آخر أشار إليه المورد أيضا وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله وما يتخيل من أن الجنس لا بقاء له بدون الفصل فقد يكون الرجحان في ضمن الوجوب بحسب الواقع فلا يعقل بقاؤه بعد انتفاء فصله مدفوع بالفرق البيّن بين رفع الفصل في الواقع ونسخ الحكم كما في نسخ الوجوب والحكم بعدمه في الظاهر لعدم قيام دليل عليه كما في المقام لوضوح قضاء الأول برفع الجنس النائب بخلاف الثاني ضرورة عدم الحكم هنا برفع حكم ثابت وإنما المقصود عدم حصول المنع من الترك من أول الأمر الذي هو فصل النوع الآخر أعني الاستحباب بعد ثبوت الجنس بالإجماع والفصل المذكور بالأصل ثبت خصوص الاستحباب في الظاهر وليس رفع الفصل بالأصل في الظاهر قاضيا بانتفاء الجنس الثابت بالدليل بل أقصاه ما ذكرنا من الحكم بقيام الجنس في الظاهر بالفصل الآخر فيكون المستفاد منها حصول النوع الآخر في الظاهر نعم لو لم يكن هناك دليل على حصول الجنس أمكن القول بنفيه أيضا من جهة الأصل أولا لا لقضاء انتفاء الفصل المفروض بنفيه ظاهرا أو المفروض في المقام خلاف ذلك لقيام الدليل القاطع على ثبوت الجنس فقوله أصل البراءة عن المنع من الترك لا يوجب كون الثابت بالإجماع إلى آخره غير متجه إذ ليس ذلك مما ادعاه المورد أصلا بل مورده إثبات الاستحباب في بيان كون الرجحان الثابت بالإجماع حاصلا مع عدم المنع من الترك بحسب تكليفنا فالرجحان معلوم والمنع من الترك في الظاهر منفي بحكم الأصل فيثبت بذلك الاستحباب في الظاهر وكيف يعقل القول بعصابة أصل البراءة كون الرجحان الثابت بالإجماع حاصلا في الواقع مع عدم المنع عن الترك ومن المعلوم عدم ارتباط أصل البراءة لدلالته على الواقع وقد نص عليه المورد في كلامه فإن قلت إن مقصود المورد هو العلم بالعلم وترك الأخذ بالظن والوجه المذكور لا يفيد ظنا بثبوت الاستحباب فضلا عن العلم به فكيف يصح الحكم بثبوته قلت ليس مراد المورد إلا البناء على العلم في إثبات الحكم ورفع غير المقطوع بالأصل لانتفاء الطريق إليه ولما كان الرجحان مقطوعا به في المقام حكم به ورفع الزائد بالأصل لعدم قيام دليل عليه فيكون الثابت على المكلف في الظاهر الاستحباب قطعا وإن لم يظن بحصوله واقعا فإن رفع الحكم في الظاهر لانتفاء الطريق إليه لا يفيد نفي الحكم بحسب الواقع وإذا كانت إحدى المقدمات مفيدة لثبوت الحكم في الظاهر كان الحكم الثابت من الجميع ظاهريا ومع الغمض عما ذكرنا فلو سلم كون نفي الفصل في الظاهر بمنزلة رفعه بحسب الواقع تم المقصود أيضا فإنه مع ارتفاعه كذلك وقيام الدليل على حصول الجنس بحسب الواقع كما هو الواقع في المقام لا مجال للتأمل في تحقق النوع المنعدم بعدم ذلك الفصل كما في نسخ الوجوب إذا قام دليل على تحقق الرجحان إذ لا إشكال بل لا خلاف في الحكم بالاستحباب فغاية الأمر أن يكون المقام من قبيل ذلك والحاصل أن أصل البراءة بالنسبة إلى الظاهر حجة ما فيه للحكم مجالة حال الخبر النافي للحكم إذا قام الدليل على حجيته ووجوب العمل به في الظاهر فكما أنا إذا علمنا بالإجماع ونحوه رجحان الفصل ودلت الرواية المفروضة على عدم المنع من الترك حكمنا بحصول الاستحباب فكذا في المقام من غير فرق فيما نحن فيه بصدده من ثبوت الحكم بالنسبة إلى الظاهر وليس ذلك إثباتا للحكم بالأصل إذ ليس قضية الأصل هنا سوى عدم المنع من الترك وبملاحظته مع الرجحان المعلوم الثبوت من الخارج يثبت الاستحباب ولا يعد ذلك من قبيل الأصول المثبتة قطعا كما لا يخفى ومن ذلك ظهر ما في قوله أن حكم غسل الجمعة نظير الجهر والإخفات في التسمية إذ بعد صحة جريان الأصل في غسل الجمعة حسبما قررنا وعدم صحة جريانه بالنسبة إلى الجهر والإخفات للعلم بثبوت أحد التكليفين ومخالفة كل منهما للأصل من غير تفاوت بينهما في ذلك يتضح الفرق بينهما كمال الوضوح ومع الغمض عما ذكرنا وتسليم دوران الأمر هناك أيضا بين حكمين وجوديين فجعلهما من قبيل واحد غير متجه مع كون أحد الحكمين في مسألة الغسل أقل مخالفة للأصل والآخر أكثر على خلاف في مسألة الجهر والإخفات إذ لا فرق بينهما في مخالفة الأصل بوجه من الوجوه وأما ثانيا فلأن ما ذكره من أن المثال المناسب لما رامه نجاسة عرق الجنب من الحرام محل مناقشة إذ رفع وجوب الاجتناب في المقام بالأصل حسبما ذكره قاض بارتفاع جواز الاجتناب الحاصل في ضمنه على ما قرره من ارتفاع الجنس بارتفاع فصله وأصل البراءة من المنع من ترك الاجتناب لا يقضي بكون جواز الاجتناب الثابت بالإجماع حاصلا في نفس الأمر في ضمن الكراهة أو الإباحة فإن أريد بالأصل المذكور رفع المنع من ترك الاجتناب مع عدم الحكم بجواز الاجتناب فهو مخالف للأول الإجماع عليه وإن أريد معه الحكم بجواز الاجتناب أيضا فأي دليل قضى ببقائه على نحو ما ذكره في مسألة غسل الجمعة غاية الأمر دوران الاحتمال هناك بين الحكمين وهناك بين أحكام ثلاثة وأما ثالثا فبأن ما ذكره من أن الحكم بالرجحان القطعي إلى آخره غير مستقيم إذ لا وجه لاعتبار الحكم القطعي ففي مقابلة أصالة البراءة وليس في كلام المورد ما توهم ذلك أصلا وكيف يعقل مخالفة الأصل بما وقع الإجماع على ثبوته والحكم برجحانه عليه ورفعه له وإنما المقصود رفعه المنع من الترك وإن قام عليه دليل ظني فيكون أصل البراءة في مقابلة ذلك الدليل الظني كيف وعبارة المورد صريحة في رفع أصالة البراءة والمنع من الترك والظاهر أن ما ذكره مبني على ما ترى من كون رفع المنع من الترك بالأصل قاضيا بدفع رجحان العقل فيئول الأمر إلى مراجحة أصالة البراءة للرجحان المقطوع به وقد عرفت ضعفه ولو صحّ ما ذكره لجرى ذلك بعينه في المثال الذي أورده أيضا غاية الأمر أن الجنس الحاصل في المقام رجحان الفعل والحاصل هناك جوازه فيكون رفع المنع من الترك هناك في معنى رفع الجواز المعلوم الثبوت أيضا